تكتب الصحفية فيكتوريا بريتين، الكاتبة المخضرمة في قضايا حقوق الإنسان والحروب، عن واقع الأسيرات الفلسطينيات داخل السجون الإسرائيلية، كاشفةً كيف تحولت أماكن الاحتجاز إلى فضاءات قاسية تتجاوز حدود السجن لتصبح منظومة قمع متكاملة تطال الجسد والوعي والذاكرة. تنقل بريتين شهادات صادمة لنساء وفتيات فلسطينيات يواجهن منذ تصاعد الحرب على غزة ما تصفه منظمات حقوقية بأنه انهيار غير مسبوق في شروط الاحتجاز داخل السجون الإسرائيلية.
يعرض هذا التقرير عبر ميدل إيست آي شهادات وتقارير حقوقية توثق ما تتعرض له الأسيرات الفلسطينيات منذ بداية الإبادة في غزة، حيث تصاعدت الاعتقالات بشكل واسع في الضفة الغربية والقدس وغزة، وتحوّلت السجون إلى بيئة قائمة على التجويع والعزل والإذلال والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية.
تصاعد الاعتقالات وتحول السجون إلى مساحة قمع ممنهج
يتكشف داخل السجون الإسرائيلية واقع أكثر قسوة مع اتساع موجة الاعتقالات التي طالت أكثر من 700 امرأة فلسطينية منذ أواخر 2023. تُقتاد النساء خلال اقتحامات ليلية أو عند الحواجز العسكرية، ثم يخضعن لتحقيقات طويلة تتخللها ممارسات نفسية وجسدية قاسية. تشير التقارير إلى أن ظروف الاحتجاز الحالية تختلف جذريًا عما كان سابقًا، إذ يصفها محامون وحقوقيون بأنها مرحلة جديدة من العنف المنهجي المرتبط مباشرة بسياق الإبادة في غزة.
تتعرض الأسيرات لسياسات ممنهجة تشمل الحرمان من النوم، والتجويع، والتفتيش العاري، والعزل الانفرادي لفترات طويلة، إلى جانب استخدام الإهانة كأداة يومية لكسر الإرادة. وتبرز شهادات تؤكد أن كثيرًا من المعتقلات فقدن القدرة على التعبير أو المقاومة النفسية نتيجة الضغط المستمر.
تشير بيانات حقوقية إلى وفاة عشرات الفلسطينيين داخل السجون منذ أكتوبر 2023، بينهم قاصرين، ما يعكس تصاعد مستوى الخطر داخل منظومة الاعتقال. وتظهر هذه المعطيات تحول السجون إلى امتداد مباشر للعنف الميداني خارجها.
أدوات السيطرة: من التجويع إلى الرقابة الرقمية
تتجاوز الانتهاكات حدود الجدران لتشمل سياسات أوسع تهدف إلى تفكيك الحياة الفلسطينية داخل السجون وخارجها. يعتمد الاحتلال، وفق باحثين في علم الاجتماع وحقوق الإنسان، على أدوات مثل التجويع المنهجي والحرمان من العلاج والرعاية الصحية، إضافة إلى الإذلال المتكرر الذي يترك آثارًا طويلة المدى حتى بعد الإفراج.
تكشف شهادات الأسيرات عن ظروف احتجاز قاسية تشمل الزنازين الضيقة، وانعدام النظافة، ومنع الحصول على ملابس نظيفة أو أدوات أساسية، ما يؤدي إلى انتشار أمراض جلدية وإرهاق جسدي شديد. وتصف بعض المعتقلات التجربة بأنها تشبه محوًا تدريجيًا للذات، حيث يتحول الزمن داخل السجن إلى فراغ خانق بلا أي تواصل أو معنى.
يتوسع القمع أيضًا ليشمل الفضاء الرقمي، حيث تُستخدم منشورات أو تعليقات على الإنترنت كأدلة اعتقال، ما يحول النشاط الرقمي إلى مساحة مراقبة مشددة. هذا النمط من الرقابة يعكس انتقال أدوات السيطرة من الواقع المادي إلى الفضاء الافتراضي، ويضع الفلسطينيين تحت رقابة دائمة تمتد إلى تفاصيل حياتهم اليومية.
صمت دولي وأزمة حقوقية متصاعدة
تواجه الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية انتقادات متزايدة من منظمات حقوقية، لكنها تصطدم باستجابة دولية وُصفت بالضعيفة أو المترددة. يشير حقوقيون إلى أن النظام الدولي يفشل في حماية المعتقلين الفلسطينيين أو حتى ضمان الحد الأدنى من المعايير الإنسانية داخل أماكن الاحتجاز.
تتعمق الأزمة مع استمرار الاعتقال الإداري دون محاكمة، وحرمان المعتقلين من التواصل مع عائلاتهم، ما يحول المحامين إلى المنفذ الوحيد شبه المتاح للعالم الخارجي. وتبرز حالات لاعتقال نساء بهدف الضغط على أقاربهن، ما يعكس استخدام الاحتجاز كأداة عقاب جماعي تتجاوز الفرد إلى العائلة والمجتمع.
تحذر أصوات حقوقية من أن استمرار هذا الواقع يؤدي إلى تطبيع العنف داخل السجون وتحويله إلى جزء من البنية السياسية القائمة، ما يهدد مستقبل أي مسار للعدالة أو التسوية. كما تؤكد أن غياب الردع الدولي يعزز من توسع هذه الممارسات بدل الحد منها.
تتصاعد الدعوات اليوم إلى تحرك دولي عاجل يضع ملف الأسيرات الفلسطينيات في صدارة الاهتمام الحقوقي والسياسي، مع التأكيد على أن ما يحدث داخل السجون ليس حالة استثنائية بل جزء من منظومة أوسع مرتبطة بالصراع المستمر وتداعياته الإنسانية العميقة.
https://www.middleeasteye.net/opinion/we-failed-prisoners-palestinian-women-suffer-israeli-jails

